أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
193
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
بالياء مختصا بمصحف الشام ، بل هي كذلك أيضا في مصحف أهل الحجاز . قال أبو البرهسم في سورة الأنعام في إمام أهل الشام وأهل الحجاز : أولادهم شركائهم ، بالياء ، وفي إمام أهل العراق « شُرَكاؤُهُمْ » ، ولم يقرأ أهل الحجاز بالخفض في « شركائهم » ، لأن الرسم سنّة متبعة ، قد توافقها التلاوة ، وقد لا توافقها . إلّا أن الشيخ أبا شامة قال : قلت ولم ترسم كذلك إلّا باعتبار قراءتين ، فالمضموم عليه قراءة معظم القراء . ثم قال : وأما « شركائهم » بالخفض فيحتمل قراءة ابن عامر - وسيأتي كلام أبي شامة هذا بتمامه في موضعه ، وإنّما أخذت منه قدر الحاجة هنا ، فقوله : إنّ كل قراءة تابعة لرسم مصحفها - يشكل بما ذكرت لك من أن مصحف الحجازيين بالياء ، مع أنهم لم يقرأوا بذلك . وقد نقل أبو عمرو الداني أن « شركائهم » بالياء إنّما هو في مصحف الشام دون مصاحف الأمصار . فقال : في مصاحف أهل الشام : أولادهم شركائهم ، بالياء ، وفي سائر المصاحف : شركاؤهم ، بالواو » . قلت : هذا هو المشهور عند الناس - أعني - اختصاص الياء بمصاحف الشام ، ولكن أبو البرهسم ثقة أيضا فيقبل ما ينقله . وقد تقدم قول الزمخشري : « والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف « شركائهم » مكتوبا بالياء » . وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة : ولا بعد فيما استبعده أهل النحو من جهة المعنى ، وذلك أنه قد عهد تقدم المفعول على الفاعل المرفوع لفظا ، فاستمرت له هذه المرتبة مع الفاعل المرفوع تقديرا ، فإنّ المصدر لو كان منونا لجاز تقديم المفعول على فاعله ، نحو : « أعجبني ضرب عمرا زيد » ، فكذا في الإضافة ، وقد ثبت جواز الفصل بين حرف الجر ومجروره مع شدة الاتصال بينهما ، أكثر من شدته بين المضاف والمضاف إليه ، كقوله تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ « 1 » فَبِما رَحْمَةٍ « 2 » ، ف « ما » زائدة في اللفظ ، فكأنها ساقطة فيه لسقوطها في المعنى . والمفعول المقدم هو غير موضعه معنى ، فكأنه مؤخر لفظا ، ولا التفات إلى قول من زعم أنه لم يأت في الكلام المنثور مثله ، لأنه ناف . ومن أسند هذه القراءة مثبت ، والإثبات مرجح على النفي بإجماع ، ولو نقل إلى هذا الزاعم عن بعض العرب أنه استعمله في النثر لرجع إليه ، فما باله لا يكتفي بناقل القراءة من التابعين عن الصحابة ، ثم الذي حكاه ابن الأنباري - يعني مما تقدم حكايته من قولهم : « هو غلام إن شاء اللّه أخيك » فيه الفصل في غير الشعر بجملة وقرأ أبو عبد الرحمن السّلميّ والحسن البصري وعبد الملك قاضي الجند ، صاحب ابن عامر : « زَيَّنَ » مبنيا للمفعول ، « قتل » رفعا على ما تقدم ، « أولادهم » خفضا بالإضافة ، « شركاؤهم » رفعا ، وفي رفعه تخريجان : إحدهما - وهو تخريج سيبويه « 3 » - : أنه مرفوع بفعل مقدر ، تقديره : زيّنه شركاؤهم ، فهو جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : من زيّنه لهم ؟ فقيل : شركاؤهم . وهذا كقوله تعالى : يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ « 4 » ، أي : يسبّحه رجال ، وقول الآخر : 2109 - ليبك يزيد ضارع لخصومة * . . . « 5 » والثاني : - وهو تخريج قطرب - : أن يكون « شركاؤهم » رفعا على الفاعلية بالمصدر ، والتقدير : زيّن للمشركين أن قتل أولادهم شركاؤهم ، كما تقول : حبّب لي ركوب الفرس زيد ، تقديره : حبّب لي أن ركب الفرس زيد . والفرق بين التخريجين : أن التخريج الأول يؤدي إلى أن تكون هذه القراءة في المعنى كالقراءة المنسوبة للعامة
--> ( 1 ) سورة النساء ، آية ( 155 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 159 ) . ( 3 ) انظر الكتاب 1 / 290 . ( 4 ) سورة النور ، الآيتان ( 36 - 37 ) . ( 5 ) تقدم .